محمد بن جعفر الكتاني
236
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
الكناس ، فقدم عليها مملو الوطاب محمود الإياب ، يتوقد باطنه بأنوار الأسرار ، ويتفجر حكمة كأنه العين تجري منها الأنهار ، فبقي بها على قدم ثابت من الزهد والورع ، يأخذ حبله ويذهب إلى الجبل الذي لا ملك لأحد عليه ، ويحتطب منه حزمة حطب ويبيعها ويأكل من ثمنها ، ثم في آخر أمره كان يخرج إلى الجبل أيضا ويأتي منه بالعزف « 1 » ويشد منه المكانس ؛ وهي : الشطاطيب ، ويبيعها بما يقدر لها من القيمة المعتادة ، من غير زيادة ولا نقص ؛ لورعه ، ولو أراد الزيادة ؛ لباع الواحدة منها بالمثاقيل ؛ لإجماع الناس على اعتقاد ولايته . وكان عظيم الهيبة ، بعيد الصحبة ، لا يقدر أحد أن يبدأه بالكلام ، ولا أن يقصده بالزيارة وطلب الدعاء في مقام ، وإنما كان شأن الصبيان ومن شاكلهم أن يقولوا إذا رأوه من بعد : « متاع اللّه لله » ؛ « 2 » فيرد عليهم بمثل ذلك غالبا ، وربما رشح إناؤه بما فيه ، وكاشف بعضهم من أمره بما يكفيه ، وكان لا يزيد في لباسه على كساء صوف خشن خلق يجعله تارة على لحمه . وفي زمن المصيف يأتزر به ، ويترك ما فوق ذلك عاريا ، وما رأى أحد منه عورة قط ، وعلى رأسه قلنسوة بالية ، وعمامة من صوف ممزقة من طول البلاء ، ومع ذلك لا تعلو الأوساخ شيئا منه أبدا ؛ فلا تجد أطرافه وثيابه إلا في غاية النظافة ؛ على أنه ما ريء قط يصلي ، وقلما تجده يسبغ الوضوء ، وما ريء - أيضا - داخلا للميضأة التي في الأسواق والمساجد ، ولا خارجا منها ، وما تزوج قط ولا تسرى . وكان من دأبه : الدخول للمساجد وقت إقامة الجماعة للصلوات ، وخصوصا جامع الشرفاء في الحرم الإدريسي ، وجامع القرويين ، ثم الناس يصلون وهو يخاصم من غير مخاصم بأعلى صوته خزيا ولعنا ، ويأتي في خلال ذلك [ 214 ] بكلمات قرآنية ، إلا أنه ربما يحرف ألفاظها . وكان يفعل - أيضا - مثل ذلك في مجالس العلم حتى يفسد على المدرسين تقاريرهم ، ولا يمكنهم إلا السكوت حتى يذهب . وظهرت عليه كرامات ، ورئي مع الواقفين بعرفة غير مرة ، وهو لم يخرج من فاس . وكان من شأنه في الإخبار بالمغيبات وما يكاشف به أن يقصد الإنسان ؛ فيواجهه ، أو يواجه غيره ، والعناية له بآية قرآنية أو أمثلة عامية ، ثم يقول : « أقرأتها ؟ ! » . . . حتى يقول : « نعم أو لا » ، وأكثر ما كان يخبر بنعي الموتى والحوادث النازلة في زمن الفتن ، وعزل الولاة ، وتوليتهم ، وكل ذلك بالإشارة القولية أو الفعلية ، ولا يفهمها منه إلا القليل ، وكان يحمل في يده عصى يعتمد عليها قصيرة ، ولا يقبل من أحد شيئا ، وكانت له عرصة قرب داره ، فيها تين ؛ فيأتي به أول ظهوره يفرقه على الصبيان في المكاتب .
--> ( 1 ) العزف : هو الدوم . مؤلف . ( 2 ) لفظة يقولها الشحاذون - في العادة - لطلب الصدقة .